مُرافعات على الهامش

لماذا نقرأ في زمن لا يقرأ؟

في عصر يتسابق فيه الجميع نحو الفيديو القصير والريلز والتيك توك، يبدو القارئ كائناً غريباً من زمن آخر. لكن ربما تكون القراءة اليوم أكثر ضرورة مما كانت عليه في أي وقت مضى.

حجم الخط 100%

سؤال شخصي جداً

حين أُمسك كتاباً ورقياً في المقهى، أشعر أحياناً بنظرات الاستغراب من حولي. الجميع منكبّون على شاشات هواتفهم، يتصفحون خلاصات لا نهائية من المحتوى السريع. وأنا هنا، أقلّب صفحات كتاب كأنني قادم من قرن آخر. لكنني لست نادماً، ولا أشعر بتفوّق أخلاقي. أنا فقط أسأل نفسي: لماذا أفعل هذا؟

القراءة كمقاومة

في عصر الخوارزميات التي تُقرّر عنك ماذا ترى وماذا تفكر وبماذا تشعر، تصبح القراءة فعل مقاومة. فحين تفتح كتاباً، أنت تختار — لا الخوارزمية. أنت تُقرّر أن تُعطي انتباهك لنص واحد لساعات، بدل أن توزّعه على مئات المقاطع في دقائق. هذا الاختيار الواعي هو في حد ذاته موقف.

بطء مقصود

العالم يُريدك سريعاً. سريعاً في الاستهلاك، سريعاً في الحكم، سريعاً في الانتقال من موضوع لآخر. القراءة تُعلّمك البطء — وهذا ليس عيباً، بل ميزة. البطء يعني التأمل، يعني إعادة قراءة الجملة مرتين، يعني التوقف عند فكرة والعيش معها أياماً قبل الانتقال لغيرها.

وحدة مأهولة

القراءة وحدة، لكنها وحدة مأهولة بالأصوات. حين تقرأ دوستويفسكي، أنت لست وحدك — أنت في حوار مع عقل عاش قبلك بقرنين. حين تقرأ درويش، أنت تسمع صوتاً يقول ما عجزتَ أنت عن قوله. القراءة تمنحك شعوراً بالانتماء لمجتمع خفي من القرّاء عبر الزمن.

ليست دعوة للتعالي

لا أكتب هذا لأقول إن القارئ أفضل من غير القارئ. فكثير من القرّاء سطحيون، وكثير من غير القرّاء حكماء. لكنني أكتب لأقول إن القراءة — في هذا الزمن بالذات — فعلٌ يستحق أن يُدافَع عنه. ليس لأنه نخبوي، بل لأنه إنساني في أبسط أشكاله: إنسان يجلس في هدوء، يُصغي لإنسان آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *